الحقوق جميعها محفوظة لرئاسة الجمهورية © ٢٠٢٠
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.
السيدات والسادة.
ضيوف مصر الأعزاء.
يسعدني أن أرحب بكم اليوم باسم شعب وحكومة جمهورية مصر العربية، أرحب بشركاء التنمية لمصر الجديدة، من توافقت رؤاهم على ضرورة العمل معًا من أجل رخاء وتقدم الإنسانية، من أرادوا أن يجتمعوا من أجل أن يكون لهم دور في توفير الاستقرار والازدهار لشعب طامح في التنمية وساع نحو الرخاء، مرحبًا بكم جميعًا في "مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري "مصر المستقبل".
لقد وجدت مصر دومًا من أشقائها العرب مواقف تبرهن على أخوة حقيقية وصداقة وفية، وما اجتماعنا اليوم إلا نتاج خالص لجهد صادق بذله المغفور له بإذن الله جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز من خلال دعوته الكريمة لعقد هذا المؤتمر، وليس غريبًا على المملكة العربية السعودية تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن تكون تلك هي مواقفها المشرفة إزاء أشقائها فذاك نهج صاغه ملكها المؤسس وسار على خطاه الكريمة ملوكها الأجلاء.
كما أتقدم بوافر الشكر وخالص التقدير للجهود الدؤوبة والمقدرة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، والممثلة اليوم بالحضور الكريم لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وحاكم دبي من أجل المساهمة في نهوض مصر وتحقيق الرخاء لشعبها أقول لقيادة وشعب الإمارات الشقيقة إن الشعب المصري لمس صدق مشاعركم، وأحس بجدية التزامكم إزاء اقتصاد مصر.
أما دولة الكويت الشقيقة فقد كانت الأفعال دائمًا تسبق الكلمات للتدليل على علاقاتها الوثيقة ودعمها المستمر لمصر وشعبها، وما تشريف سمو الأمير لهذا المؤتمر إلا تعبير عن إيمان سموه ودولته الشقيقة بقيمة التضامن العربي، ولا يفوتني في هذا المقام أن أعرب عن الشكر والتقدير لجلالة العاهل الأردني وجلالة ملك البحرين لوقوفهما الدائم بجانب مصر وشعبها، والذى يعكس عمق علاقات بلديهما مع مصر التي وجدت منهما كل الدعم والمساندة، وكل الشكر والتقدير لكافة أشقائنا ملوك ورؤساء الدول العربية الذين نسعد بتشريفهم اليوم أو من أنابوا ممثلين عنهم.
السيدات والسادة.
إن هذه اللحظة تشهد مشاركة رفيعة المستوى وشديدة التميز من قبل أصدقاء مصر الدوليين دول وحكومات ومنظمات دولية، والذين أعرب لهم عن خالص الشكر والتقدير باسمي وباسم شعب بلادي، وأؤكد لكم أن ترجمة معانى تلك المشاركة إلى استثمارات مشتركة تحقق المنافع المتبادلة لكافة الأطراف لا تقتصر فقط على كونها مساهمًا أساسيًا في تحقيق النمو والتقدم الاقتصادي، وإنما تمتد لتشمل أبعادًا أعمق ومعاني أسمى، إذ تساهم بلا شك في تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل التفاوت بين شرائـــــح المجتمع، فضلًا عما تسهم به من توفير فرص العمل وتشغيل الشباب، فالمجتمع المصري الذي يمثل تعداد سكانه ربع سكان منطقة الشرق الأوسط يعد استقراره ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وهو مجتمع شاب يتعين استغلال طاقاته الفكرية والإبداعية لصالح التقدم واستقرار الوطن، وتلك هي التنمية الشاملة التي تنشدها مصر تسير بخطى واثقة وعلى كافة المسارات والأصعدة فتحقق نموًا متوازنًا وعادلًا بل وتصب في صالح بناء دولة عصرية لا تحوز مكانتها فقط من عظمة ماضيها وعراقة تاريخها؛ بل تفخر بصناعة حاضرها وترنو بأمل وتفاؤل نحو مستقبل واعد لأبنائها فتقدم بذلك نموذجًا للحضارة العربية والإسلامية بقيمها السمحة الحقيقية دولة تنبذ العنف والإرهاب والتطرف دولة تعزز الاستقرار والأمن الإقليمي تحترم جوارها تدافع ولا تعتدي تقبل وتحترم الآخر، وتؤمن بأن اختلافه وسيلة للتعارف وإثراء للحضارة الإنسانية.
السيدات والسادة.
إن شعب مصر وعلى مر التاريخ ساهم بفاعلية في الدفاع عن وطنه وأمته العربية والإسلامية فكانت مصر ولازالت خط الدفاع الأول عن الكثير من الأخطار التي أحدقت بالمنطقة.
ويواصل هذا الشعب الأبي الكريم ملحمة نضاله، بل ويضرب مثالًا رائعًا في الوعي وتحمل المسئولية من خلال تمسكه بهوية الدولة المصرية وتفانيه في الدفاع عنها، وتفهمه لقرارات اقتصادية كان لزامًا أن يتم اتخاذها لتوفير واقع اقتصادي أفضل كل التحية والتقدير لشعب بلادي المتطلع إلى تعزيز شراكته مع الدول الصديقة لمصر، والطامح إلى اتخاذ العديد من الخطوات الإيجابية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي لإحداث التحول المنشود في منهجية إدارة الاقتصاد المصري وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، وإرساء مشاركة مجتمعية في تحمل الأعباء مع توفير الحماية للفئات الأولى بالرعاية، ورفع كفاءة الخدمات العامة وتحقيق العدالة في توزيع ثمار النمو، تلك أحلام شعب مصر أحلام مشروعة، وطموحات مستحقة سنحولها إلى واقع ملموس بالعمل الدؤوب والتفاني الصادق وبمعاونة شركائنا العرب والدوليين.
إن الاقتصاد المصري لا يكتفى بما يتم إنجازه من مشروعات عملاقة؛ بل يقوم على رؤية واضحة وتوجه حر يدعم اقتصاد السوق الذي يؤمن بدور القطاع الخاص في سياق بيئة اقتصادية مستقرة وفى هذا الإطار، وضعت مصر استراتيجية للتنمية المستدامة بعيدة المدى حتى عام ٢٠٣٠ تهدف إلى بناء مجتمع حديث وديمقراطي، عماده الإنتاج والانفتاح على العالم وقد تم إعداد تلك الاستراتيجية وفقًا لمنهج التخطيط بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، اللذين قاما بدور محوري في إعداد الاستراتيجي، وذلك لضمان الالتزام بتطبيق وتنفيذ السياسات والبرامج والمبادرات التي سيتم تبنيها لتحقيق تلك الأهداف الاقتصادية، واسمحوا لي هنا أن أستعرض المحاور الأساسية التي يرتكز عليها منهجنا لتحقيق التنمية:
المحور الأول: استعادة استقرار الاقتصاد الكلى للدولة، ويشتمل هذا المحور على صياغة السياسات التي تكفل استعادة التوازن المالي من خلال خفض عجز الموازنة العامة، وترسيخ مبادئ العدالة الضريبية بين كل فئات المجتمع، ويتزامن مع ذلك تبنى سياسة نقدية تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار العام في مستوى الأسعار بالتوازي مع زيادة معدل النمو والسيطرة على التضخم وخفض معدلاته نتيجة لتنفيذ المرحلة الأولى من إصلاح الدعم في قطاع الطاقة، وما صاحبه من انخفاض أسعار السلع العالمية وخاصة المواد الغذائية إن تلك الإجراءات تنطلق من اقتناعنا بأن تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلى يعد شرطًا أساسيًا للحفاظ على ثقة قطاع الأعمال ولضمان استمرار التعافي الاقتصادي، كما أننا نعي تمامًا ضرورة وصول عملية الإصلاح إلى غايتها حتى يتواصل تصاعد معدلات النمو التي أظهرت بالفعل تحسنا ملحوظا خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، وهو ما يؤكد أن مصر تمضى قدمًا على الطريق الصحيح.
المحور الثاني: تحسين بيئة الاستثمار والعمل على جذب الاستثمارات من خلال تنفيذ حزمة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية المهمة، واتخاذ خطوات رائدة لمعالجة العقبات التي تعوق القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، وتبني سياسات واضحة تضمن تكافؤ الفرص في إطار من الشفافية وسيادة القانون، وقد شمل ذلك صياغة قانون الاستثمار الموحد وتفعيل نظام الشباك الواحد وتطوير منظومة خدمات الاستثمار للتيسير على المستثمرين وتوفير مناخ جاذب للاستثمارات العربية والأجنبية، وكذلك إتاحة الفرصة لتسوية العديد من منازعات الاستثمار وديًا، والتزام الحكومة المصرية بسداد مستحقات الشركات الأجنبية حيث لم تتخلف مصر يومًا عن الوفاء بالتزاماتها المالية أو تعهداتها الدولية، فضلًا عن تعديل قوانين المنافسة ومكافحة الاحتكار لخلق سوق أكثر تنافسية بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة تنفيذًا لخطة زيادة معدل النمو إلى ما يزيد على ٦٪ على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة بالتوازي مع خفض نسبة البطالة إلى ١٠٪.
المحور الثالث: المشروعات القومية والخطط القطاعية الطموحة في مختلف المجالات والتي من شأنها تحقيق التنمية وخلق فرص العمل، وفى ذات الوقت توفير فرص واعدة للمستثمرين، حيث اعتمدت الحكومة المصرية استراتيجية واضحة وقابلة للتطبيق لزيادة إنتاج الكهرباء وشرعت بالفعل في تنفيذها، وذلك ليس فقط لتغطية الاستهلاك المحلي وإنما أيضًا لتلبية الطلب المتزايد لقطاع الاستثمار على الطاقة، علمًا بأن هذه الاستراتيجية طويلة المدى ولا تتعلق فقط بتوفير الاحتياجات في المرحلة الحالية وإنما المستقبلية أيضًـا بما يوفر مناخًا مستقرًا ومستدامًا للاستثمارات، ويضاف إلى ذلك خطة التقسيم الإداري للمحافظات والتي راعت البعد التنموي والاقتصادي إلى أبعد مدى، حيث هدفت إلى خلق ظهير صحراوي للمحافظات القائمة يوفر مجالًا لاستيعاب النمو السكاني ويرتبط بتنمية زراعية وصناعية وعمرانية شاملة، فضلًا عن امتداد الحدود الجديدة للمحافظات إلى ساحل البحر الأحمر بما يوفر موانئ ونوافذ للتصدير، كما يشارك القطاع الخاص في المرحلة الأولى من مشروع تطوير وازدواج المجرى الملاحي لقناة السويس، وكذلك في المرحلة الثانية من المشروع التي تقوم على تطوير منطقة القناة، وتوفير العديد من فرص الاستثمار للقطاع الخاص في مشروع عملاق سيعزز موقع مصر الاستراتيجي كنقطة ارتكاز بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، كما بدأت المرحلة الأولى من المشروع القومي لاستصلاح ٤ مليون فدان إلى جانب عدد ضخم من المشروعات التنموية بعيدة المدى والأثر مثل مشروع المثلث الذهبي وتحديث وتوسيع الشبكة القومية للطرق، وتطوير الموانئ والنقل البحري وإنشاء مطارات دولية جديدة، ومراكز سياحية ومجمعات للصناعات التعدينية والطاقة الجديدة والمتجددة ومعالجة الصرف الصحي وإنشاء مناطق لتدوير المخلفات، إن كل تلك المشروعات تفتح آفاقا رحبة لمشاركة القطاع الخاص على نحو استدعى تطوير المشاركة بين القطاعين العام والخاص وتشجيع آليات الاقتصاد الحر وتأكيد احترام كافة التعاقدات لتوفير الحماية الكاملة لحقوق المستثمر، والرعاية الواجبة للعمال مع الحفاظ على حق المجتمع دون تفريط في أي منهم لحساب الآخر الأمر الذي يرسى إطارًا لمشاركة الجميع في بناء مصر المستقبل.
السيدات والسادة
إن تحقيق التنمية المستدامة وتأكيد مصداقية الدولة في سعيها نحو التنمية الشاملة يكمن بالدرجة الأولى في الالتزام الكامل من جانب الحكومة بالمضي قدمًا في تطبيق السياسات والبرامج الهادفة إلى دفع عجلة الاستثمار، وزيادة مجالاته مع فتح الأسواق وإعادة التوازن الاقتصادي، إنما من الضروري أيضًا، ألا يتم تنفيذ كل تلك الخطط بمعزل عن إيلاء الاهتمام الواجب للبعد الاجتماعي إيمانًا بأن بناء مصر المستقبل لا يتحقق دون طفرة حقيقية في مجالات التنمية البشرية وهــــو ما نسعى إليه عبر تعزيز العدالة الاجتماعية فعلى المدى القصير، نعمل على تدعيم نظم الحماية الاجتماعية للتخفيف من تأثير الإصلاحات المالية على القطاعات الأقل دخلًا أما على المدى الأبعد، فيجري التركيز على تنمية رأس المال البشري لاسيما من خلال ما توفره السياسات الإصلاحية من موارد، وقد شملت الإجراءات التي يجري تنفيذها في هذا الإطار إصلاح منظومة الدعم بهدف وصوله إلى مستحقيه وتطوير منظومة دعم السلع التموينية، والعمل على دمج وتمكين المرأة والشباب ففي جهود التنمية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة مع تطوير منظومات الأجور والمعاشات والضمان الاجتماعي لرفع مستوى معيشة المواطنين، والاهتمام بالتنمية البشرية من خلال الوفاء بالاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتوفير المزيد من الموارد لتطوير منظومة التعليم والبحث العلمي والصحة، وإعطاء أهمية كبرى لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة والمتوازنة جغرافيا.
إن الأهمية التي نوليها لشباب مصر في البعد الاجتماعي لسياساتنا التنموية ترجع أيضًا إلى كونه إحدى المزايا التنافسية للاقتصاد المصري، بل للأمة المصرية فالإحصاءات تشير إلى أن عدد سكان مصر تحت سن ٤٠ عامًا يفوق ثلثي إجمالي عدد السكان منهم الآن نحو ٣٠ مليونا في سن العمل فمصر دولة شابة بحق تطوع وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والابتكارات الحديثة في سهولة ويسر بفضل أجيالها الشابة.
السيدات والسادة
إن التنوع الهائل الذي يتميز به الاقتصاد المصري يضمن التجاوب والتفاعل المثمر مع تطلعات كافة المستثمرين في مختلف القطاعات، وإنني أؤكد لجميع الأشقاء والأصدقاء والشركاء عزمنا على المضي قدمًا في تطوير وتحديث القواعد الاقتصادية المصرية، وتهيئة كافة السبل التي تضمن أطر التعاون البناء بين كل الأطراف بما يعود بالفائدة على الجميع، وأوجه الدعوة إلى كافة الشركات والمؤسسات الباحثة عن فرص جدية للاستثمار للمزيد من التعرف على أهم المزايا التي يوفرها المناخ الجاذب للاستثمار في مصر، وللتفاعل وبناء جسور التعاون مع قطاع الأعمال المصري بما يمهد لتحقيق أفضل العوائد للجانبين، ولاستغلال عبقرية الموقع الجغرافي والعمق الحضاري لمصر، بل والشبكة مترامية الأطراف من علاقات الأخوة والصداقة التي تجمعنا بالأقاليم التي ننتمى إليها في العالم العربي وفى أفريقيا والبحر المتوسط الذين تربطنا بهم جميعًا العديد من أوجه التعاون والتقارب واتفاقيات التجارة الحرة، وهو الأمر الذى يجعل من مصر نافذة على العالم العربي وبوابة لأفريقيا وطريقًا نحو أوروبا.
إن مسيرة مصر نحو المستقبل ستستمر، وسوف تتسارع بخطى واثقة يقودها الإيمان بالله والوطن والإرادة السياسية الراسخة، والرغبة الصادقة والاقتناع بقيمة العمل الدؤوب حتى نصل إلى الأهداف التي بدأت من أجلها تلك المسيرة، ومصر إذ تنطلق نحو المستقبل فإنها منفتحة على العالم وترحب بالشركاء والمستثمرين الساعين إلى الاستفادة من الفرص التي تتيحها، بما يوفر الفرصة المستحقة للمصريين في حياة كريمة ومنتجة ويحقق رخاء وازدهار مصر والمنطقة.
أرحب بكم مرة أخرى على أرض مصر، وأرجو منكم أن تشاركوني في الإعراب عن التقدير البالغ للأشقاء الذين عملوا معنا بصدق حتى يتسنى عقد هذا المؤتمر لاسيما دكتور إبراهيم العساف وزير المالية في المملكة العربية السعودية، ودكتور سلطان الجابر وزير الدولة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى فريق العمل المصري، وأود أن أوجه التحية إلى مستثمري شرم الشيخ وأهالينا في جنوب سيناء، وكلى ثقة في أن جهودهم ومشاركتكم ستجعل من لقائنا اليوم علامة بارزة على مسيرة مصر الجديدة نحو مستقبل أفضل.
ختامًا، أود أن أوجه التحية إلى الشعب المصري الصابر الأبي الكريم، وبفضل الله ومشاركتكم ستجدوا مصر دائمًا في أمان وسلام، والمنطقة كلها في أمان وسلام.
تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو.
السيدات والسادة.
ضيوف مصر الأعزاء.
يسعدني أن أرحب بكم اليوم باسم شعب وحكومة جمهورية مصر العربية، أرحب بشركاء التنمية لمصر الجديدة، من توافقت رؤاهم على ضرورة العمل معًا من أجل رخاء وتقدم الإنسانية، من أرادوا أن يجتمعوا من أجل أن يكون لهم دور في توفير الاستقرار والازدهار لشعب طامح في التنمية وساع نحو الرخاء، مرحبًا بكم جميعًا في "مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري "مصر المستقبل".
لقد وجدت مصر دومًا من أشقائها العرب مواقف تبرهن على أخوة حقيقية وصداقة وفية، وما اجتماعنا اليوم إلا نتاج خالص لجهد صادق بذله المغفور له بإذن الله جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز من خلال دعوته الكريمة لعقد هذا المؤتمر، وليس غريبًا على المملكة العربية السعودية تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن تكون تلك هي مواقفها المشرفة إزاء أشقائها فذاك نهج صاغه ملكها المؤسس وسار على خطاه الكريمة ملوكها الأجلاء.
كما أتقدم بوافر الشكر وخالص التقدير للجهود الدؤوبة والمقدرة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، والممثلة اليوم بالحضور الكريم لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وحاكم دبي من أجل المساهمة في نهوض مصر وتحقيق الرخاء لشعبها أقول لقيادة وشعب الإمارات الشقيقة إن الشعب المصري لمس صدق مشاعركم، وأحس بجدية التزامكم إزاء اقتصاد مصر.
أما دولة الكويت الشقيقة فقد كانت الأفعال دائمًا تسبق الكلمات للتدليل على علاقاتها الوثيقة ودعمها المستمر لمصر وشعبها، وما تشريف سمو الأمير لهذا المؤتمر إلا تعبير عن إيمان سموه ودولته الشقيقة بقيمة التضامن العربي، ولا يفوتني في هذا المقام أن أعرب عن الشكر والتقدير لجلالة العاهل الأردني وجلالة ملك البحرين لوقوفهما الدائم بجانب مصر وشعبها، والذى يعكس عمق علاقات بلديهما مع مصر التي وجدت منهما كل الدعم والمساندة، وكل الشكر والتقدير لكافة أشقائنا ملوك ورؤساء الدول العربية الذين نسعد بتشريفهم اليوم أو من أنابوا ممثلين عنهم.
السيدات والسادة.
إن هذه اللحظة تشهد مشاركة رفيعة المستوى وشديدة التميز من قبل أصدقاء مصر الدوليين دول وحكومات ومنظمات دولية، والذين أعرب لهم عن خالص الشكر والتقدير باسمي وباسم شعب بلادي، وأؤكد لكم أن ترجمة معانى تلك المشاركة إلى استثمارات مشتركة تحقق المنافع المتبادلة لكافة الأطراف لا تقتصر فقط على كونها مساهمًا أساسيًا في تحقيق النمو والتقدم الاقتصادي، وإنما تمتد لتشمل أبعادًا أعمق ومعاني أسمى، إذ تساهم بلا شك في تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل التفاوت بين شرائـــــح المجتمع، فضلًا عما تسهم به من توفير فرص العمل وتشغيل الشباب، فالمجتمع المصري الذي يمثل تعداد سكانه ربع سكان منطقة الشرق الأوسط يعد استقراره ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وهو مجتمع شاب يتعين استغلال طاقاته الفكرية والإبداعية لصالح التقدم واستقرار الوطن، وتلك هي التنمية الشاملة التي تنشدها مصر تسير بخطى واثقة وعلى كافة المسارات والأصعدة فتحقق نموًا متوازنًا وعادلًا بل وتصب في صالح بناء دولة عصرية لا تحوز مكانتها فقط من عظمة ماضيها وعراقة تاريخها؛ بل تفخر بصناعة حاضرها وترنو بأمل وتفاؤل نحو مستقبل واعد لأبنائها فتقدم بذلك نموذجًا للحضارة العربية والإسلامية بقيمها السمحة الحقيقية دولة تنبذ العنف والإرهاب والتطرف دولة تعزز الاستقرار والأمن الإقليمي تحترم جوارها تدافع ولا تعتدي تقبل وتحترم الآخر، وتؤمن بأن اختلافه وسيلة للتعارف وإثراء للحضارة الإنسانية.
السيدات والسادة.
إن شعب مصر وعلى مر التاريخ ساهم بفاعلية في الدفاع عن وطنه وأمته العربية والإسلامية فكانت مصر ولازالت خط الدفاع الأول عن الكثير من الأخطار التي أحدقت بالمنطقة.
ويواصل هذا الشعب الأبي الكريم ملحمة نضاله، بل ويضرب مثالًا رائعًا في الوعي وتحمل المسئولية من خلال تمسكه بهوية الدولة المصرية وتفانيه في الدفاع عنها، وتفهمه لقرارات اقتصادية كان لزامًا أن يتم اتخاذها لتوفير واقع اقتصادي أفضل كل التحية والتقدير لشعب بلادي المتطلع إلى تعزيز شراكته مع الدول الصديقة لمصر، والطامح إلى اتخاذ العديد من الخطوات الإيجابية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي لإحداث التحول المنشود في منهجية إدارة الاقتصاد المصري وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، وإرساء مشاركة مجتمعية في تحمل الأعباء مع توفير الحماية للفئات الأولى بالرعاية، ورفع كفاءة الخدمات العامة وتحقيق العدالة في توزيع ثمار النمو، تلك أحلام شعب مصر أحلام مشروعة، وطموحات مستحقة سنحولها إلى واقع ملموس بالعمل الدؤوب والتفاني الصادق وبمعاونة شركائنا العرب والدوليين.
إن الاقتصاد المصري لا يكتفى بما يتم إنجازه من مشروعات عملاقة؛ بل يقوم على رؤية واضحة وتوجه حر يدعم اقتصاد السوق الذي يؤمن بدور القطاع الخاص في سياق بيئة اقتصادية مستقرة وفى هذا الإطار، وضعت مصر استراتيجية للتنمية المستدامة بعيدة المدى حتى عام ٢٠٣٠ تهدف إلى بناء مجتمع حديث وديمقراطي، عماده الإنتاج والانفتاح على العالم وقد تم إعداد تلك الاستراتيجية وفقًا لمنهج التخطيط بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، اللذين قاما بدور محوري في إعداد الاستراتيجي، وذلك لضمان الالتزام بتطبيق وتنفيذ السياسات والبرامج والمبادرات التي سيتم تبنيها لتحقيق تلك الأهداف الاقتصادية، واسمحوا لي هنا أن أستعرض المحاور الأساسية التي يرتكز عليها منهجنا لتحقيق التنمية:
المحور الأول: استعادة استقرار الاقتصاد الكلى للدولة، ويشتمل هذا المحور على صياغة السياسات التي تكفل استعادة التوازن المالي من خلال خفض عجز الموازنة العامة، وترسيخ مبادئ العدالة الضريبية بين كل فئات المجتمع، ويتزامن مع ذلك تبنى سياسة نقدية تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار العام في مستوى الأسعار بالتوازي مع زيادة معدل النمو والسيطرة على التضخم وخفض معدلاته نتيجة لتنفيذ المرحلة الأولى من إصلاح الدعم في قطاع الطاقة، وما صاحبه من انخفاض أسعار السلع العالمية وخاصة المواد الغذائية إن تلك الإجراءات تنطلق من اقتناعنا بأن تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلى يعد شرطًا أساسيًا للحفاظ على ثقة قطاع الأعمال ولضمان استمرار التعافي الاقتصادي، كما أننا نعي تمامًا ضرورة وصول عملية الإصلاح إلى غايتها حتى يتواصل تصاعد معدلات النمو التي أظهرت بالفعل تحسنا ملحوظا خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، وهو ما يؤكد أن مصر تمضى قدمًا على الطريق الصحيح.
المحور الثاني: تحسين بيئة الاستثمار والعمل على جذب الاستثمارات من خلال تنفيذ حزمة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية المهمة، واتخاذ خطوات رائدة لمعالجة العقبات التي تعوق القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، وتبني سياسات واضحة تضمن تكافؤ الفرص في إطار من الشفافية وسيادة القانون، وقد شمل ذلك صياغة قانون الاستثمار الموحد وتفعيل نظام الشباك الواحد وتطوير منظومة خدمات الاستثمار للتيسير على المستثمرين وتوفير مناخ جاذب للاستثمارات العربية والأجنبية، وكذلك إتاحة الفرصة لتسوية العديد من منازعات الاستثمار وديًا، والتزام الحكومة المصرية بسداد مستحقات الشركات الأجنبية حيث لم تتخلف مصر يومًا عن الوفاء بالتزاماتها المالية أو تعهداتها الدولية، فضلًا عن تعديل قوانين المنافسة ومكافحة الاحتكار لخلق سوق أكثر تنافسية بما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة تنفيذًا لخطة زيادة معدل النمو إلى ما يزيد على ٦٪ على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة بالتوازي مع خفض نسبة البطالة إلى ١٠٪.
المحور الثالث: المشروعات القومية والخطط القطاعية الطموحة في مختلف المجالات والتي من شأنها تحقيق التنمية وخلق فرص العمل، وفى ذات الوقت توفير فرص واعدة للمستثمرين، حيث اعتمدت الحكومة المصرية استراتيجية واضحة وقابلة للتطبيق لزيادة إنتاج الكهرباء وشرعت بالفعل في تنفيذها، وذلك ليس فقط لتغطية الاستهلاك المحلي وإنما أيضًا لتلبية الطلب المتزايد لقطاع الاستثمار على الطاقة، علمًا بأن هذه الاستراتيجية طويلة المدى ولا تتعلق فقط بتوفير الاحتياجات في المرحلة الحالية وإنما المستقبلية أيضًـا بما يوفر مناخًا مستقرًا ومستدامًا للاستثمارات، ويضاف إلى ذلك خطة التقسيم الإداري للمحافظات والتي راعت البعد التنموي والاقتصادي إلى أبعد مدى، حيث هدفت إلى خلق ظهير صحراوي للمحافظات القائمة يوفر مجالًا لاستيعاب النمو السكاني ويرتبط بتنمية زراعية وصناعية وعمرانية شاملة، فضلًا عن امتداد الحدود الجديدة للمحافظات إلى ساحل البحر الأحمر بما يوفر موانئ ونوافذ للتصدير، كما يشارك القطاع الخاص في المرحلة الأولى من مشروع تطوير وازدواج المجرى الملاحي لقناة السويس، وكذلك في المرحلة الثانية من المشروع التي تقوم على تطوير منطقة القناة، وتوفير العديد من فرص الاستثمار للقطاع الخاص في مشروع عملاق سيعزز موقع مصر الاستراتيجي كنقطة ارتكاز بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، كما بدأت المرحلة الأولى من المشروع القومي لاستصلاح ٤ مليون فدان إلى جانب عدد ضخم من المشروعات التنموية بعيدة المدى والأثر مثل مشروع المثلث الذهبي وتحديث وتوسيع الشبكة القومية للطرق، وتطوير الموانئ والنقل البحري وإنشاء مطارات دولية جديدة، ومراكز سياحية ومجمعات للصناعات التعدينية والطاقة الجديدة والمتجددة ومعالجة الصرف الصحي وإنشاء مناطق لتدوير المخلفات، إن كل تلك المشروعات تفتح آفاقا رحبة لمشاركة القطاع الخاص على نحو استدعى تطوير المشاركة بين القطاعين العام والخاص وتشجيع آليات الاقتصاد الحر وتأكيد احترام كافة التعاقدات لتوفير الحماية الكاملة لحقوق المستثمر، والرعاية الواجبة للعمال مع الحفاظ على حق المجتمع دون تفريط في أي منهم لحساب الآخر الأمر الذي يرسى إطارًا لمشاركة الجميع في بناء مصر المستقبل.
السيدات والسادة
إن تحقيق التنمية المستدامة وتأكيد مصداقية الدولة في سعيها نحو التنمية الشاملة يكمن بالدرجة الأولى في الالتزام الكامل من جانب الحكومة بالمضي قدمًا في تطبيق السياسات والبرامج الهادفة إلى دفع عجلة الاستثمار، وزيادة مجالاته مع فتح الأسواق وإعادة التوازن الاقتصادي، إنما من الضروري أيضًا، ألا يتم تنفيذ كل تلك الخطط بمعزل عن إيلاء الاهتمام الواجب للبعد الاجتماعي إيمانًا بأن بناء مصر المستقبل لا يتحقق دون طفرة حقيقية في مجالات التنمية البشرية وهــــو ما نسعى إليه عبر تعزيز العدالة الاجتماعية فعلى المدى القصير، نعمل على تدعيم نظم الحماية الاجتماعية للتخفيف من تأثير الإصلاحات المالية على القطاعات الأقل دخلًا أما على المدى الأبعد، فيجري التركيز على تنمية رأس المال البشري لاسيما من خلال ما توفره السياسات الإصلاحية من موارد، وقد شملت الإجراءات التي يجري تنفيذها في هذا الإطار إصلاح منظومة الدعم بهدف وصوله إلى مستحقيه وتطوير منظومة دعم السلع التموينية، والعمل على دمج وتمكين المرأة والشباب ففي جهود التنمية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة مع تطوير منظومات الأجور والمعاشات والضمان الاجتماعي لرفع مستوى معيشة المواطنين، والاهتمام بالتنمية البشرية من خلال الوفاء بالاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتوفير المزيد من الموارد لتطوير منظومة التعليم والبحث العلمي والصحة، وإعطاء أهمية كبرى لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة والمتوازنة جغرافيا.
إن الأهمية التي نوليها لشباب مصر في البعد الاجتماعي لسياساتنا التنموية ترجع أيضًا إلى كونه إحدى المزايا التنافسية للاقتصاد المصري، بل للأمة المصرية فالإحصاءات تشير إلى أن عدد سكان مصر تحت سن ٤٠ عامًا يفوق ثلثي إجمالي عدد السكان منهم الآن نحو ٣٠ مليونا في سن العمل فمصر دولة شابة بحق تطوع وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والابتكارات الحديثة في سهولة ويسر بفضل أجيالها الشابة.
السيدات والسادة
إن التنوع الهائل الذي يتميز به الاقتصاد المصري يضمن التجاوب والتفاعل المثمر مع تطلعات كافة المستثمرين في مختلف القطاعات، وإنني أؤكد لجميع الأشقاء والأصدقاء والشركاء عزمنا على المضي قدمًا في تطوير وتحديث القواعد الاقتصادية المصرية، وتهيئة كافة السبل التي تضمن أطر التعاون البناء بين كل الأطراف بما يعود بالفائدة على الجميع، وأوجه الدعوة إلى كافة الشركات والمؤسسات الباحثة عن فرص جدية للاستثمار للمزيد من التعرف على أهم المزايا التي يوفرها المناخ الجاذب للاستثمار في مصر، وللتفاعل وبناء جسور التعاون مع قطاع الأعمال المصري بما يمهد لتحقيق أفضل العوائد للجانبين، ولاستغلال عبقرية الموقع الجغرافي والعمق الحضاري لمصر، بل والشبكة مترامية الأطراف من علاقات الأخوة والصداقة التي تجمعنا بالأقاليم التي ننتمى إليها في العالم العربي وفى أفريقيا والبحر المتوسط الذين تربطنا بهم جميعًا العديد من أوجه التعاون والتقارب واتفاقيات التجارة الحرة، وهو الأمر الذى يجعل من مصر نافذة على العالم العربي وبوابة لأفريقيا وطريقًا نحو أوروبا.
إن مسيرة مصر نحو المستقبل ستستمر، وسوف تتسارع بخطى واثقة يقودها الإيمان بالله والوطن والإرادة السياسية الراسخة، والرغبة الصادقة والاقتناع بقيمة العمل الدؤوب حتى نصل إلى الأهداف التي بدأت من أجلها تلك المسيرة، ومصر إذ تنطلق نحو المستقبل فإنها منفتحة على العالم وترحب بالشركاء والمستثمرين الساعين إلى الاستفادة من الفرص التي تتيحها، بما يوفر الفرصة المستحقة للمصريين في حياة كريمة ومنتجة ويحقق رخاء وازدهار مصر والمنطقة.
أرحب بكم مرة أخرى على أرض مصر، وأرجو منكم أن تشاركوني في الإعراب عن التقدير البالغ للأشقاء الذين عملوا معنا بصدق حتى يتسنى عقد هذا المؤتمر لاسيما دكتور إبراهيم العساف وزير المالية في المملكة العربية السعودية، ودكتور سلطان الجابر وزير الدولة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى فريق العمل المصري، وأود أن أوجه التحية إلى مستثمري شرم الشيخ وأهالينا في جنوب سيناء، وكلى ثقة في أن جهودهم ومشاركتكم ستجعل من لقائنا اليوم علامة بارزة على مسيرة مصر الجديدة نحو مستقبل أفضل.
ختامًا، أود أن أوجه التحية إلى الشعب المصري الصابر الأبي الكريم، وبفضل الله ومشاركتكم ستجدوا مصر دائمًا في أمان وسلام، والمنطقة كلها في أمان وسلام.
تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.